السيد علي عاشور

124

موسوعة أهل البيت ( ع )

فشربت حتى رويت ، ثم حلب وسقى أصحابه فشربوا حتى رووا ، وشرب آخرهم [ وقال : « ساقي القوم آخرهم » ] فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى أرضوا ثم حلب فيها ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها ، فقلّ ما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق غنمه أعنزا عجافا ، هزلا ، مخّهنّ قليل لا نقي بهن ، فلما رأى اللبن قال : من أين لكم اللبن هذا والشاء عازبة ؟ قالت : لا واللّه إلّا أنه مرّ بنا رجل مبارك . كان من حديثه كيت وكيت . قال : واللّه إني لأراه صاحب قريش الذي يطلب ، صفيه لي يا أم معبد . قالت : رأيت رجلا ظاهر الوضاءة متبلّج الوجه ، حسن الخلق ، لم تعبه ثجلة ، ولم تزر به صقلة « 1 » ، وسيم قسيم ، في عينيه دعج ، وفي أشفاره وطف ، وفي صوته ضحكة ، أحور أكحل ، أزج أقرن ، رجل في عنقه سطع « 2 » ، وفي لحيته كثافة ، إذا صمت فعليه الوقار ، وإذا تكلم سما « 3 » وعلاه البهاء كأنّ منطقه خرزان نظم ينحدرن ، فصل لا نزر « 4 » ولا هذر ، أزهر اللون ، يعني أجهر الناس ، وأجمل الناس من بعيد ، وأحلاه وأحسنه من قريب ، ربعة لا تشنؤه من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر ، غصن بين غصنين فهو أبيض الثلاثة منظرا ، وأحسنهم قدرا له رفقاء يحفّون به . إن قال استمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود « 5 » ، ولا عابس « 6 » ولا قابح ولا متنح « 7 » . قال : هذا واللّه صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر ، ولو كنت وافقته لالتمست أن أصحبه ولأفعلنّه إن وجدت إلى ذلك سبيلا . وأصبح صوت بمكة بين السّماء والأرض يسمعونه ولا يدرون من يقوله وهو يقول : جزا اللّه رب الناس خير جزائه * رفيقين حلّا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به * فأفلح من أمسى رفيق محمّد فيا لقصي مازوى اللّه عنكم * به من فعال لا يجارى وسؤدد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حايل فتحلّبت * له بصريح « 8 » ضرّه الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب * بدرّتها في مصدر ثم مورد

--> ( 1 ) والثجلة : عظم البطن واسترخاء أسفله . ( 2 ) سطع : أي طول . ( 3 ) تريد علا برأسه أو بيده . ( 4 ) تريد أنه وسط ليس بكثير ولا بقليل . ( 5 ) محفود أي مخدوم . محشود هو من قولك حشدت لفلان في كذا إذا أردت أنك أعددت له وجمعت . وقال غيره : المحشود : المحفوف . وحشده أصحابه : أطافوا به . ( 6 ) تريد لا عابس الوجه . ( 7 ) مختصر ابن منظور : 2 / 75 . ( 8 ) الضرة أصل الضرع الذي لا يخلو من اللبن ، وقيل هو الضرع كله .